الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

191

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

الدرجات والحقائق ( ولم ) أي عرف العلة التي بها هبط إلى هذا المنزل الأدنى الذي وقع فيه ( وحيث ) أي يعلم مواضع الأمور فيضعها فيها كالإمامة يضعها في أهل بيت الرسالة ، والنصيحة عند من يقبلها ، والحكمة فيمن هو أهل لها ، أو عرف الكيفية والعلة لنفسه من جهة أنه من أيّ مرتبة وأيّ عالم أتى إلى هذا العالم ، الذي هو فيه اليوم ، وإلى أيّ مقام ومصير يرجع من هذا العالم . وكيف كان أنه يعلم حينئذ أحوال المبدإ والمعاد وما فيهما والنظر إليها وفيها حق النظر والاعتبار ، وهذا كما روى عن أمير المؤمنين عليه السّلام حيث قال كما في النهج : رحم اللَّه أمرءا أعدّ لنفسه واستعدّ لرمسه وعلم من أين وفي أين وإلى أين . فقوله عليه السّلام : من أين ، إشارة إلى معرفة المبدإ تعالى وملائكته ورسله . وقوله : في أين ، إشارة إلى معرفة النفس ، وكيفية كونها في هذه النشأة ، ومعرفة عبوديتها وافتقارها ، وكيفية سلوكها منهج النجاة وصراط الآخرة . وقوله : إلى أين ، إشارة إلى العلم بأحوال المعاد ، ومنازلها من القبر والبرزخ والصراط والميزان والكتاب والحساب والعرض والجنة والنار . والحاصل : أن معرفة ذلك كله إنما هو بتأييد العقل من النور ( أي نور المعرفة ) والبصيرة ، إذ بذلك النور يخرج ذاته من النقص والقصور ، ويسعى إلى اللَّه بقدمى الإيمان والعبودية ، ويطير بجناحي العلم والعمل إلى فضاء عالم القرب والشهود . قوله عليه السّلام : فإذا عرف ذلك ( أي إذا علم العاقل المؤيد بالنور ) هذه الأمور ، وعلم طريقي الخير والشر ، وسبيلي النجاة والهلاك ، وما مبدأ طريق الخير والنجاة ، وما غايته وما الوقوع في سمته ، وما العدول عنه ، وما الموصل إليه ، وما المنقطع عنه بنحو مرّ بيانه ، فلا بدّ لهذا الشخص أن يخلص للَّه بالوحدانية باطنا وقلبا من غير شائبة رياء أو غرض ، ويقرّ له تعالى بالطاعة والانقياد بالعبودية ظاهرا وبدنا ، فيكون بسره وعلنه ونفسه وبدنه وقلبه وقالبه منخرطا في سلك خدمة مولاه وعبادته عارفا بحقه ، مستغرقا في بحر طاعته طالبا معرضا عما سواه .